زمردة

- أصبحتُ كاتبة إبداعية -

شعور جميل حقاً أن أصبح كاتبة إبداعية. الكتابة فن راقٍ و ممتع و مفيد للكاتب و القارئ, فهي وسيلة للبوح و السرد و التعبير عن المشاعر و الأحاسيس. ما يكتبه الكاتب, لا يعكس بالضرورة أحداثاً حدثت معه بالفعل, بل قد تكون من وحي مخيلته هو.

كنت قد تركت الكتابة من فترة طويلة, فمنذ تخرجي من الجامعة و أنا أشعر بصعوبة وقت الكتابة. في هذا التدريب, إستطعت أن أمسك بالقلم من جديد, و أمسكت بالمفاتيح الأساسية للكتابة الإبداعية. فأنا أحتاج لدافع قوي للاستمرار في الكتابة و أرغب حقاً بالاستمرار فأنا ما زلت أحتاج لوقت أكثر لأتقن هذا الفن.

أشعر بالحزن العميق لانتهاء التدريب الذي مرّ كلمح البصر. عشت شهراً من أجمل شهور حياتي تعلمت فيه الكثير و تنقلت بين مشاعر مختلطة و تجارب رائعة مع زميلاتي حيث قمنا بصنع قصة مصورة “كوميك”  في تحدٍ صعب, فليس من السهل تشكيل فريق واحد بروح واحدة رغم الاختلافات. في النهاية كنا نصنع رأياً واحداً تحت هدفٍ واحد و هو اكتمال و نجاح القصة.  هذا شيءٌ أقوم به للمرة الأولى في حياتي, صحيح أني عملت كثيراً في السابق مع فريق عمل و لم يكن أبداً صعباً علي, إنما الجديد في هذه التجربة بناء قصة و شخصيات نحن صنعناها و أحببناها و تعاطفنا معها كثيراً, عملٌ يكبر و حلمٌ يتحقق أمامناو سيظهر للعلن قريباً. أشعر بالفخر و السعادة, و من ناحيةٍ أخرى أشعر بالحزن و الحنين و الشوق للأيام التي مضت, و لا أرغب بانتهاء التدريب, فهذا التدريب كان مميزاً حقاً.

مشاعر الختام تبكيني, فأنا أكره الوداع و اللحظات الأخيرة. أنتظر أن أقرأ فلانية و علانية في البيت و أن أقرأ ردود أفعال القراء أيضاً! و أسأل الله و أدعوه أن تتكرر تجربتنا هذه مرة أخرى و أن تتطور إلى سلسلة أعمال مفيدة و نافعة و مشوقة. لماذا لا نعمل نحن العشر بطاقاتنا الكبيرة و المتنوعة؟ فعملنا سوية جعلنا نكتشف طاقات و مواهب مدفونة, ستنفجر أكثر باستمرارية العمل.


-قصة صديقتي -
قصة قصيرة من وحي مقابلة

أود أن أكتب اليوم عن زميلتي الرائعة ذات الوجه الطفولي البريء, تكاد تكمل العشرين عاماً و هي ابنة مدينتي و نزحت مثلي مع أسرتها إلى صنعاء. لها نظرة هادئة و عميقة رغم صغر سنها, و لا تشبه أختها كثيراً كونها هادئة قليلة الكلام و تسبق سنها إن تحدثت. لها طموحات كبيرة و أحلام  تجعلني أتوقع لها مستقبلاً باهراً و كلي ثقة أنها ستحقق ما تحلم به, فهي صادقة مع نفسها و تعرف ما تريد و كيفية العمل للوصول إليه. تحلم أن تصبح كاتبةً مشهورة, تترجم أعمالها لعدة لغات. هي تعرف حجم الحلم, و كم يحتاج منها لتطوير مهاراتها في الكتابة و اللغة.

تتمتع بعزة نفس و كبرياء, و لا تقبل بالتنازلات أياً كان نوعها, و لكن للأسف الحياة ليست هكذا, و عليها أن تكون أكثر مرونة خاصة و أن محيطها لا يدعمها كثيراً و يتهمها باللامنطقية و اللاواقعية. رغم كل ذلك تتحلى زميلتي ذات الوجه الطفولي و النظرة العميقة بإصرار و عزيمة غير عاديين.

تعرفت عليها في برنامج نقطة انطلاقة, قبل عامين, و كانت ترغب وقتها في دراسة الطب البشري, و لم تتوفق في ذلك, و هي الآن في العام الجامعي الأول من دراسة التغذية, و رغم أنها لم ترد ذلك في البداية, إلا أنها تستمع كثيراً بهذا التخصص الآن.

هي تكتب من وقت لآخر, تكتب قصصاً قصيرة و تدرس بجد و همة عالية. تدخل السرور لقلب أمها التي ناضلت كثيراً من أجلها هي و إخوتها.

هل عرفتم عن من أتحدث؟ إنها زينب باسلطان!

- حرب داحس و الغبراء -
خواطر تلت قراءة السلسلة القصصية “بلوزة” للكاتبة ريم مجاهد

هذه هي هذه الحرب بالنسبة لي, داحس و الغبراء. الحرب بشعة بكل المقاييس و المسميات, تأكل الأخضر و اليابس و لا يسلم منها أحد. و رغم كل هذا هناك من يستفيد من الحرب, كلٌ بطريقته, و سبحان الله مصائب قوم عند قوم فوائدُ! تجار السلاح و الحروب يستفيدون من استمرارها, و رأينا في هذه الحرب العجب. رأينا من كان لا يملك شيئاً و صار من أصحاب الأموال و الأملاك, و من كان ميسوراً و بات في ضنك و فقر.

اخترت أن أكتب عن قصة السطو على المنازل و سرقتها أثناء الحرب. كل ما قرأته في المجموعة القصصية كان مؤلماً و جعل سيناريو الحرب يمر كشريط ذكريات مؤلمة أمام عيني و عشت التفاصيل من جديد, كل القسوة و الألم و الأصوات المرعبة و القصف و الدمار و الصراخ و العويل في حارتنا بتعز. تذكرت المنازل التي باتت بيوت أشباح محترقة و ممزقة بعد أن هجرها أهلها من شدة القصف بكافة الأسلحة. رغم كل ذلك لم تسلم البيوت من السرقة و النهب بلا رحمة. كنا نسمع الأصوات و نرى أشياء تدخل و تخرج من بيوت مجاورة و أخرى أعلى و أسفل بيتنا, أشياء تركها أهل البيوت حين فروا من الحرب على أمل العودة, أشياءٌ باهضة الثمن تغيرت مصائرها كما تغيرت مصائر الناس. كل ذلك لم يكن لا بالبال و لا في الحسبان. فقدنا أحبائنا و أهلنا و أصدقائنا في هذا الحرب اللعينة, و قاسينا و عانينا الكثير.الحرب نارٌ تأكل الأخصر و اليابس, لا يسلم منها أحد, و من ينجو يبقى ليعاني من جراح لا يستطيع الزمن تطييبها.

مع كل ذلك تبقى عناية الله و يبقى لطفه مع من يحاول الصمود و المصارعة من أجل البقاء و البدء من الصفر في الكثير من الأحيان.


- عن ١٩ يوماً من الكتابة الإبداعية-
خواطر في اليوم التاسع عشر من الكتابة الإبداعية

بصراحة لا أعلم من أين أبدأ و ماذا أكتب! كثير من الأفكار المبعثرة في رأسي تأتي و تذهب و معها الكثير من المشاعر المختلطة. و رغم أنه ليس بالهين أو اليسير, فسأحاول ترتيبها و كتابتها.

هذا التدريب كان مغامرة و تحدٍ كبير بالنسبة لي, خاصة و أنه عن الكتابة, الأمر الأكثر صعوبة و مشقة بالنسبة لي! أنا بطبعي أكره الكتابة, أكره أن أمسك بقلم لأكتب. المسألة تشكل بالنسبة لي عقدة منذ الطفولة, فقد كنت أكره حصة التعبير و كان أصعب شيء بالنسبة لي أن يطلب مني أحد أن أكتب أو أن أعبر عن نفسي, فأنا لا أحب ذلك أبدا.

حين تواصلت هناء من المجلس الثقافي البريطاني معي, كان الموعد الأولي في شهر رمضان, و رغم أنه لم يكن مناسباً بالنسبة لي, إلا أنني وافقت و أكدت حضوري, و سألتها عن المدربة و حين قالت لي أنها سارة تحمست كوني التقيت بها قبل عامين في مقابلة قبل برنامج نقطة انطلاقة, و رغبت بالفعل أن أتدرب معها.

تواصلت سارة معي لاحقاً و أعطتني تفاصيل أدق, فقلت لها: “و اللي ما يعرفش يكتب؟” قالت لي حينها أنها لا تؤمن بذلك فالكتابة مهارة يمكن أن يكتسبها و يتعلمها من يرغب. فتحت لي تلك الكلمات آفاقاً جديدة, و أعادت لي أملاً كان مفقوداً. شعرت حينها بسعادرة تغمرني و كنت كل يوم أفكر, ترى من سيشارك أيضاً في التدريب؟

لقد شاركت في الكثير من التدريبات في السابق, لكن هذا المرة مختلفة و لا تشبه سابقاتها, هي مليئة بالمشاعر و الأحداث و الإثارة و التنوع, هي حلم كبير يتحقق و نبنيه مع بعضنا البعض شيئاً فشيئاً. كم أنا متشوقة و متحمسة لكي يرى النور و يظهر للعلن و يصبح واقعاً ملموساً و ليس مجرد أمنية. ما فعلناه إنجازٌ عظيم أعاد لي ثقتي بنفسي و بقدراتي الهائلة التي كنت أؤمن بها و لكن نالت منها الظروف و المصاعب القاسية و الظلم الذي مررت به في حياتي. آن الآوان الآن لأنفض كل مررت به عني و أعود قوية كالسابق كما عهدت نفسي.

أنا سعيدة و ممتنة لك يا سارة كثيراً على هذا التدريب, و أشكر الله لأنه منحني هذه الفرصة و هذه التجربة, كانت مغامرة جديدة لها نكهة صعبة الوصف, تعلمنا الكثير و تبادلنا الأفكار و الخبرات و عملنا كفريق واحد, و قبل هذا كله, كتابتي في حد ذاتها هي أكبر إنجاز لي!

لقد استفدت كثيراً للحد الذي يجعلني أرغب في الاستمرار بأي شكل, ربما في نشاط يجمعنا بأي شكل, كي لا يبقى عملنا مجرد ذكرى, لا أود العودة للبطالة من جديد, للفراغ. أريد عملاً يجمعنا و تحديات مثمرة. كلما فكرت أن التدريب سينتهي و ستعود حياتي للسابق رتيبة و مملة, أحس و كأن كابوساً ثقيلاً ينتظرني.

أقوم بطرد هذه الأفكار كي لا تفسد الأوقات الرائعة الباقية و شعوري بها. قررت أن أعيش اللحظة و أن لا أسمح لشيء أن يفسدها, فالأيام الجميلة تمر كلمح البصر, بينما تمر الأيام الكئيبة ببطء شديد كأنها دهر!

- ٦ صور من الذاكرة-
خواطر تلت نزهة في الحي

في يوم الثلاثاء, الثالث من شهر تموز ٢٠١٨, في الخامسة عصراُ, طلبت منا سارة أن نخرج لنتمشى و نستكشف المربع الذي يحيط بمكان التدريب. خرجت و أنا متعبة و مرهقة كوني تأخرت على التدريب اليوم لأني أمضيت النهار كاملاً في رحلة البحث عن عمل حتى تأخرت في العودة للمنزل ظهراً و بعدها في الذهاب لتدريب الكتابة عصراً.

قررت المشي وحدي, و بينما كنت أمشي بعد خروجي من الباب الخلفي, رأيت كلاباً منهكة و عطشة تشرب من مياه راكدة, و إذ بأطفال يرمونهم بالحجارة و الكلاب تستمر بالشرب لشدة عطشها. غضبت كثيراً و صرخت بالأطفال و قلت لهم: “حرام عليكم! لِمَ ترمونهم و هم لم يقوموا بأذيتكم!” شعرت بحزن بالغ و أنا أرى الكلاب تهرب قبل أن تفرغ من الشرب.

أكملت نزهتي و أنا أنظر حولي للأشجار و العصافير. كان الجو جميلاً و مناسباً للنزهة. رأيت محلاً للملابس النسائية, دخلت المحل و لفتتني بلوزة بيضاء ذات رسومات جميلة و متناسقة الألوان, فسألت البائع عن سعرها, ثم عن المقاسات. لم أجد مقاسي فألقيت نظرةً ثانية خاطفة على الملابس و حين سمعت أصوات عصافير و بينها صوت كروان, خرجت و اتجهت لمصدر الصوت, لأجد محلاً يبيع الشيش و التبغ و الحيوانات الأليفة و الطيور و بينها الكروان, فدخلت أتأمل في الهامسترات و زوج من البط و عصافير و الكروان بألوانه الزرقاء و البيضاء الجميلة. سبحان الله! أنا أحب الحيوانات و الطيور كثيراً خاصةً العصافير, و تستوقفني أصواتهم و لا أستطيع أن أمر بها و أتجاوزها بسرعة. منذ فترة كنت أربي هامسترات, و حين رأيت الهامسترات في المحل تذكرت الصغار الذين كنت أربيهم و أهديتهم لابن جيراننا بعد ذلك.  أنا أيضاً لدي الكثير من الطيور, عصافير و كروان.

أكملت مشيتي في الناحية الأخرى و وجدت صالة أعراس كنت أسمع عنها دائماً و لم أعرف مكانها حتى اليوم. بعد ذلك اتجهت إلى عمق الحي, لأجد محلاً لدواليب المطابخ, أعجبني أحدها و لكن السعر كان فوق طاقتي.

و أنا مستمرةٌ في المشي رأيت مكتب الحافلات الذي كانت تتحدث سارة عنه حين اتصلت لتخبرني أنه وقع علي الاختيار للمشاركة في التدريب. لم أكن وقتها أعرفه, حدثتني أيضاً عن حديقة لم أعرفها هي الأخرى في حينها, و بقيت أسلك الطريق الأسهل و الوحيد الذي أعرفه طيلة هذه الأيام, لكني اليوم حفظت كل الطرق الأخرى, و كل الطرق تؤدي لروما.

دخلت الحديقة و وجدت نساءً, بعضهن مخزنات, و حولهن أطفالهن يلعبون بالألعاب الخشبية القليلة المزروعة في أرض الحديقة الجافة من الزرع و الشجر. قررت أن آخذ قسطاً من الراحة و أن ألعب بالمراجيح. لم تكن هناك أرجوحة فارغة واحدة , فطلبت من ولد يبدو في الخامسة تقريباً أن يسمح لي باللعب قليلاً و لكنه رفض, فحاولت إقناعه و لم يقتنع إلا حين قلت له أن يعد للثلاثين و بعدها سأنزل من على الأرجوحة و أسلمها له. كان يعد بصوتٍ تهامي بهيج و أنا أتمرجح و أرقب براءة وجهه. حين انتهى من العد, قال انتهى دورك, فطلبت القليل من الوقت و لكنه رفض و بنفس اللهجة التهامية قال: “أنت خداعة!” فنزلت على الفور و قلت له: “ لا, نزلت كما وعدتك!”  شكرته و خرجت كي لا أتأخر عن التدريب, و بعد أن خرجت تذكرت أني نسيت أن أسأله عن اسمه!