غدير عبدالحكيم

- أصبحتُ كاتبة إبداعية -

أود أن أجمع كل الكلمات لأصف مدى فخري بنفسي. أنا فخورة بنفسي. أنا فخورة بكِ يا غدير, الكاتبة المبدعة. لقد مر شهر كامل و نسيتُ أن أقوم بتهنئة نفسي على إنجازات صغيرة و كبيرة. أنا الآن قادرة على الكتابة بسلاسة و حب.  لطالما أردت أن يُطلق علي لقب كاتبة. أنا الآن كاتبة! كاتبة مبدعة, و هذا الوصف مرتبط لدي بأجمل نساء عشت معهن هذه الفترة و هذا الإنجاز الذي وصلنا له معاً. أستحق أن أهنئ نفسي. في هذا الصباح من شهر أغسطس/آب, أشعر كأنه أول صباح أعيشه. نهضت أبكر عن كل يوم, أتحسس نسيم الصباح على وجنتي و حرارة الشمس التي اخترقت زجاج نافذتي الساكنة وراء جبل نُقُم.  أشعة الشمس غمرت شجرة النعناع الجبلي الذي يحبه والدي في الشاي الأحمر. اللون الأخضر يتوهج و أنا أسقي الشجرة كل يوم, إلا أن هذا الصباح هو أجمل صباحاتي على الإطلاق. كل هذا بفضل الله الذي سخر لي الالتحاق بهذا التدريب, و بعد ذلك فالفضل لنفسي و مدربتي و صديقاتي اللاتي عشن معي هذه التجربة.

الكتابة أصبحت الأكسجين الخاص بي. دون الكتابة يومياً سأصاب بقلق و توتر و نوبات اختناق مفاجئ لا علاج لها سوى الكتابة.  لقد أتاحت لي الكتابة الكثير مما حُرمت منه خلال سنوات عمري الماضية. تسنى لي خلال شهر أن أسبر أغوار مجاهل كثيرة في داخلي. استعدت ما كنت قد دفنت من حرية حين تركت الكثير من الأمور تتحكم بي كرقعة شطرنج. اليوم أحمي نفسي كملكة في رقعة الشطرنج الخاصة بي. الكتابة تحميني, و لا يستطيع أحد أن يكتم صوتي أو يحرمني التنفيس عن مشاعري بعد اليوم. الكتابة تتيح لي أن أكون من أريد.

أنا فخورة بكل ما اكتشفته و أشعر كأني طفلة قادرة على تعلم و عمل أي شيء من جديد, سأقوم بكل شيء, بكل ما هو جنون. سأقابل الصباح كل يوم كأني أراه لأول مرة. سأصادف قطرات المطر كأنها أول مرة. سأنغمس في كل شيء دون هروب, الفرح, الحزن, الحب. سأبدأ روايتي التي أكون أنا كاتبتها و بطلتها. لن يسرق مني أحد روايتي.

أنا سعيدة أني أكتب, أني أحتفظ بكل تفصيل دقيق من يومياتي لأني إنسانة. أنا سعيدة بشغفي و استمراري في التعليم, متشوقة لمغامراتي و جنوني, لاستقلالي و حريتي. الكتابة تجعلنا نحب ذواتنا.

أنا كاتبة, و كاتبة مبدعة.

- مسألة عرف -
خواطر تلت الاستماع لمسرحية القائل نعم و القائل لا لبرتولت بريخت

شيء جميل أن نوافق على أشياء و قرارات بعد أن نفكر بها ملياً. ليس لأن الآخرين قالوا لنا نعم و رددنا بعدهم: نعم.

 تعلمت شيئاً جوهرياً من مسرحية القائل نعم و القائل لا الإذاعية, فقد وافقت على الكثير في حياتي دون إحاطة تامة بمدى الضرر الذي يمكن أن يتسبب فيه ما وافقت عليه لي. الأوان لم يفت بعد و أنا ما زلت قادرة على تعديل ما يستجد في حياتي.

ذات مرة, عُرض علي السفر إلى الخارج مع مجموعة من طاقم التدريس  و طالبتين زميلتين لي. أنا و زميلاتي فزنا بمسابقة للقصة القصيرة ببن المدارس و كانت النتيجة دعوة سفر لحضور مؤتمر دولي في المغرب للفائزات و طاقم التدريس المرافق. كنا عشرة. لكن عائلتي رفضت. أقصد عائلة أبي, لأن أبي كان موافقاً, أما أمي فقد كانت دائماً تغير رأيها وفق رأي نساء الحي. كل ذلك جعلني أمقت السفر رغم أنه كان حلمي منذ الصغر. في نظر عائلة أبي, كنت صغيرة في العمر, و في نظرهم كيف يمكن لابنة السادسة عشرة أن تسافر بدون أبيها أو أخيها؟

أسباب الرفض شملت أيضاً سقوط طائرة آنذاك و انتشار أمراض انفلوانزا الطيور و الخنازير و و و … لم أعد أتذكر تفاصيل قائمة الأسباب, فقد كانت فترة صعبة, و لكني و رغم كل هذا الرفض سافرت. والدي كان أكبر إخوته, و تأييده لسفري كان الكلمة الفصل.

كانت أول رحلة لي على الإطلاق بعيداً عن أهلي و رغم كل المتاعب التي يُحتمل أن يواجهها الشخص حين يكون وحيداً و بعيداً عن كل ما اعتاد عليه, كنت في قمة السعادة و استمتعت بكل لحظة و بقدرتي على التحلي بالمسؤولية عكس ما كان يتوقع القائلون لا.

لماذا تُمنع الفتاة من السفر, بينما الجميع يعلم أنهم لن يفوتوا أي فرصة للسفر؟ هل سن السادسة عشرة صغير إلى هذا الحد؟ و لكن إذا لم تُمنح الفتاة مساحة من الثقة و الحرية, فكيف لها أن تُبدع و تُحقق ما تريد في حياتها؟ لقد أحدثت كل فرصة منحني فيها أحدهم الثقة مساحة كبيرة للإنجاز و الشعور بالمسؤولية في حياتي.

كنت و ما زلت دوماً أهلا للثقة التي تمنحني إياها أسرتي, و لطالما وظفت كل فرصة للتقدم إلى الأمام. الثقة تُعطى للابن الذكر دون أي شروط حتى و إن لم يحترمها, على عكس الابنة الأنثى التي تستحق أضعاف ما يمنح للذكر دون أي جهد أو استحقاق. العرف يقيد النساء رغم العديد من الأمثلة لنساء تفوقوا على الرجال رغم العوائق الأكثر و الأصعب. العرف في الكثير من الأحيان يمنع عمل المرأة إلا في حالة الفقر و العوز الشديد, و في بعض الأحيان تمنع المرأة من العمل إن كانت ميسورة الحال, أو إذا تزوجت من يستطيع توفير الماديات لها. العرف لا يرى ضرورة في خروج المرأة من المنزل و يرى في قول لا لكل ذلك عيباً. و كأن المرأة تطالب بما هو محرم, بل أن الأهل سيبذلون كل ما يملكون لإثناء الابنة عن رغبتها في العمل. لم كل هذا؟

المرأة تعتني بأسرتها و  وتعمل خارج المنزل, هي قادرة على كل ذلك, فلماذا إذاً كل هذا التعقيد و الحرمان؟ التعليم و العمل تحقيق للذات, و الحرمان منهما ظلم. المرأة تُحرم أيضاً من التعبير عن رأيها. هي فقط تُعطى ما يُعد أساسياً. لكن هناك ما هو أهم من المأكل و المشرب. هناك أشياء جوهرية.

يُطلب من المرأة أن تربي و تنظف و تعتني بالأطفال. كل الأعباء المنزلية ملقاةٌ على عاتقها بما في ذلك مذاكرة الأطفال. أما الرجل, فيعود من العمل معلناً أنه لا يريد أن يسمع صوتاً. لم لا يتشارك الرجل و المرأة أعمال المنزل و تربية الأطفال؟ لم تُترك كل هذه الأعباء على النساء ليقمن بكل شيء عدا تلك الأمور التي تحقق ذواتهن؟

حتى فيما يتعلق بالتكنولوجيا. الكثيرون يمنعون بناتهن من استعمال الهواتف و الحواسيب. لم كل هذا الحرمان و انعدام الثقة؟ العالم أصبح قرية و العلوم قربت في أجهزة صغيرة, لا تزال في كثير من الحالات حكراً علر الرجال.

إن ارتكبت الفتاة خطأ, فهي آثمة. أما الرجال فيرتكبون مئات الأخطاء دون أدنى لوم.

العُرف في القرى يحمل النساء مسؤولية أسر بأكملها عند الزواج و يضيف إلى قائمة مهامهن أعمال الزراعة و و الصراب و الاعتناء بالمحاصيل و المواشي و إعداد مشتقات الألبان من حقين و سمن و جلب الحطب و المياه. و الرجال؟ الرجال يسافرون للعمل في المدينة تاركين كل هذا ورائهم. لماذا لا يتقاسم الرجال هذه الأعباء مع النساء و يبحثون معاً عن طرق لعيش حياة كريمة معاً جنباً إلى جنب في الريف؟

عند الزواج, من العيب أن تقولي أريد فلان و لا أريد علان. هم يعلمون ما هو مناسب لكِ. أنتِ لستِ أهلاً أبداً للقرارات المصيرية. من سيعيش مع هذا الرجل؟ هي أم هم؟ من سيدفع ثمن تعاسة الزيجة, هي أم هم؟

من يدفع ثمن الحرمان من قول لا؟

- الأفندمة -
قصة قصيرة من وحي مقابلة

يوم مرهق للغاية. مر ذلك اليوم ببطء شديد, و عندما وصلت إلى تلك البلاد الجميلة التي تدعى ببلاد المكعبات, نسيت فيها كل التعب!
ذهبتُ إلى الفندق و رحتُ في نومٍ عميق, استيقظت بعده كي أذهب إلى المكان المتفق عليه لأؤدي المهمة التي جئت من أجلها إلى بلاد المكعبات. و عندما دخلت إلى المنشأة, فتشتني ضابطة, شرطية, أفندم/ة. سمحت لي الأفندمة بالدخول بعد أن رحبت بي بابتسامة ساحرة جذبتني و أشعرتني بالدفء.

بعد أن انتهت معاملتي و قبل أن أغادر بوابة المنشأة الخارجية, إلتفتُ إلى الأعلى صوب مكتب الأفندمة. بدت منهمكةً في عملها للغاية. رغبت في توديعها و لكني خشيت مقاطعة عملها, و بقيت أفكر طيلة الطريق فيها. يا ترى كيف هي شخصية الأفندمة؟ ما هي تفاصيل حياتها؟

بعد ثلاثة أيام, غادرت الفندق و سكنت منزلاً في حي الأوراق العريضة مع إحدى زميلات العمل. و حين وصلت فوجئت بالأفندمة تمشي في نفس الشارع, شارع الأوراق العريضة. شدتني حقيبتها ذات اللون الكستنائي و ميدالية مجسم البومة الصغيرة المتدلية من سحاب الحقيبة. اقتربت منها و بادرتها:

مرحباً! كيف حالك؟ هل تذكرينني؟

جملي تسابقت دون ترتيب. أما هي, فردت بنفس الابتسامة التي سحرتني قبل أيام, حتى جمعت جرأتي و سألت إن كان بإمكاني التعرف عليها أكثر…

لابد أن أعود إلى منزلي الآن. أنا أعتني بأسرة كبيرة و علي الكثير من المهام.

دسستُ كرت عملي في حقيبتها و أنا تائه في لمعة عينيها التي تشع إصراراً لم أر مثله قط. طلبت أن تمنحني فرصة لقاءٍ آخر حين تتسنى لها الفرصة. و بعد يومين, اتصلت بي و اتفقنا على اللقاء في حديقة الوردة الزرقاء, أوسع حدائق حي الأوراق العريضة. ارتديتُ مشدتي حول رأسي و زينتها بالمشاقر كما هي عادةُ رجال قريتي في صَبِر. أما هي فطلت إلى الحديقة و هي ترتدي سترةً حمراء زاهية. و هي تمشي صوبي, وقع طفل من على أرجوحته. هرعت إليه و لم تتركه حتى حملناه إلى المستشفى القريب لتضميد جرحه. طيلة ذلك الوقت و أنا أفكر في مدى تسارع دقات قلبي و أنا أشاهدها تقوم بأبسط الأمور و حتى أكثرهاً تعقيداً.

لاحقاً في تلك الليلة, حدثتني عن أحلامها, عن رغبتها في أن تصبح صاحبة رأس مال يمكنها من بناء منتزه كبير تديره هي. كانت تتحدث بشغف جعلني أرى الألوان و الفراشات في ذلك المنتزه, الحلم.  عرضتُ أن أمول مشروعها, و فجأة توقفت و تبدلت ملامح وجهها و قالت: “يبدو أنك ثري و غريب على بلاد المكعبات”. ارتبكت و ضاعت مني الكلمات إلا أن تلك البومة المتدلية أنقذتني و رددت “يبدو أن هذه البومة غالية عليك”.

غادرت بلاد المكعبات بعد أسبوعين و أنا أذرف الدمع لأول مرة منذ سنوات. لم أفهم, هل كان الإنهاك, أم كانت الأفندمة صاحبة الحقيبة ذات البومة المتدلية؟

- عن بلوزة -
خواطر تلت قراءة السلسلة القصصية “بلوزة” للكاتبة ريم مجاهد

شعرت بالكثير و أنا أقرأ سلسلة “بلوزة”. كانت المشاعر متفاوتة.

تذكرت تلك الطريق التي كنا نمر بها يومياً. كانت طريقاً عادية, ثم بعد حلول الحرب تغيرت الطريق كلياً. و أنا أقرأ القصص شعرت أني إحدى الشخصيات. لقد عانيت من هذه الحرب كثيراً. حتى عندما كنا نقاوم الحرب بأصواتها المرعبة, كنت أكره تلك النظرات التي تنتظر مني أن أبدو منكسرة و ضعيفة. تلك اللحظات جعلتني أرغب في أن أكتب قصتي أنا, أن أبدأ قصتي أنا, لأن من مر بهكذا لحظات و نجى, يستطيع أن يعيش سعادة حقيقة فيما بعد.

غادرنا منزلنا في تعز بعد أن انتشر القناصة في البيوت المجاورة و تم تفجير العمارة المجاورة. حينها قال والدي أننا راحلون إلى منزل خالتي بالحوبان.كنا نظن أننا سنغادر لأسبوع فقط. و فعلنا كما قال أبي, أخذنا كل ما خف وزنه. أخذت وثائقي المهمة و حاسوبي المحمول و كتبي الجامعية التي لم أنهها في ذلك الفصل الدراسي و ردائين اثنين فقط.

تركت كل شيء خلفي. لم أفكر باحتمالية أنني قد لا أعود لهذا المنزل أبداً.

لقد عدة مرات مقتضبة, كزائرة, ألملم هذا الغرض أو ذاك بسرعة.

لقد تركنا الكثير عندما غادرنا, و بدأنا من الصفر. لم أكن يوماً أدرك أنه بإمكاني ترك منزلي هكذا دون سابق إنذار. أصبحت دائماً أشعر أني يجب أن أكون مستعدة لترك كل شيء من أمامي و من خلفي و أن أبدأ من جديد. لا شيء بمأمن.

أخرجتنا الحرب من دائرة الأمان. تشتتنا و تشردنا.

الروائح مهمة أيضاً. و أنا أقرأ “بلوزة” شعرت بأني أمتلك ملابساً لم أقدر قيمتها. لم أهتم لتفاصيلها و ألوانها, لم أهتم لتفاصيل لم أكن أعلم أنها قد تصبح ذات قيمة لدي يوماً ما. كنت أشتري الملابس كي يراني الأخرون جميلة. لم أهتم لقيمتها المعنوية. و لكن حين عدت لمنزلي لجلب ما استطعت من الأغراض, أخذت أتذكر ملابسي قطعةً قطعة. لابد أن تكون للملابس قصة, متى و لماذا اشتريت هذه القطعة أو تلك.

عندما فقدت الكثير, أصبحت أبحث عن شبيه يعوضني.كان كل شيءٍ معقداً آنذاك. لم أدر ما المهم و ما الأهم.. ضاعت أحلامي.

أحمد الله أني فتاة, فذلك جنبني مرارة أسئلة نقاط التفتيش حين عدت لتعز أول مرة بعد النزوح بمفردي. كنت خائفة و شعرت أني ذاهبة إلى الجحيم.

يومها كرهت منازل الآخرين, و رغبت في المغادرة و أن أكون مع أهلي أينما كانوا.

- عن ١٩ يوماً من الكتابة الإبداعية-
خواطر في اليوم التاسع عشر من الكتابة الإبداعية

قبل ١٩ يوم كنت مختلفة نوعاً ما. لم أكن أكتب أي مما يدور في خاطري, فقد تركت الكتابة منذ زمن. قبل ما يقارب الأربع سنوات. كنت أكتب بصورة شبه مستمرة, ثم توقفت. لا أعلم لماذا. أعادني هذا التدريب كثيراً للوراء, و بنفس الوقت دفعني للأمام. أشعر أنني تحسنتُ كثيراً و أن مزاجي تحسن و أني أصبحت أكثر استقراراً. وجدتُ طريقةً للتعامل مع أي شيءٍ يعكر مزاجي. أصبحتُ أكتب.

الكتابة هي حديثي بيني أنا و نفسي, عقلي و قلمي و ورقي, دون خوف أو ندم. أشعر براحة كبيرة بعد كل مرة أكتب فيها. أشعر أنني أتحدث مع الأشخاص الذين أكتب عنهم. ربما لو قرأوا ما أكتب عنهم سيسعدون, و بعضهم سيحزن. فأنا أكتب دون قيود و دون استبعاد لأي فكرة تأتيني. ينسابُ الحبرُ على الورق بكل سهولة منذ أن بدأت هذا التدريب. لم أعد أبذل جهداً كبيراً كي أكتب شيئاً ما. أنا فقط أمسك الورقة و القلم و أكتب. لا أنتظر جملاً سجعية. أنا أكتب و حسب. أكتب دون توقف.

هناك الكثير و الكثير الذي تراكم خلال هذه السنوات التي انفصلت فيها عن الكتابة, و ها أنا الآن أجد المساحة التي أودع فيها أسراري التي أثقلتني و مشاكلي, مساحة أحكي فيها ما أشاء, فأنا المتحدثة و المستمعة. لا أحد سيرفض ما سأكتب و ما سأطرح, أنا سيدة اللعبة و الموقف.

تخلق الكتابة عالماً آخر, لا يرغب في مغادرته من يدخله. الكتابة مملكتي و أنا مليكتها, لا أخشى أن يُقال أني حقودة أو سريعة الغضب أو فائقة الحساسية. لقد أصبحت أكثر صبراً في كل شيء عدا في لهفتي لملاقاة قلمي لكتابة كل انفعال و تفصيل أحببته أو كرهته في شخص أو شيء, أكتب مشاعري, نبضات قلبي, ضحكة عيني. أصيغُ كل شيء بكل حرية و هدوء, بكل رفاهية و دون أن يقاطعني أحد.

لا تنتظر الكتابة مقابلاً , الكتابة لا تخون و لا تفشي الأسرار,  و لا ترهق بانتظار مبادلة المشاعر. لا نحتاج لشيء لنكتب, كلنا نستطيع أن نكتب, الصغير و الشاب و المسن. فقط تعلمي الحروف و الكلمات, ثم قومي بصياغة الجمل و تركيبها.

لقد تعلمت الكثير من مدربتنا, سارة. تعلمت أن الكاتب يولدُ شخصاً عادياً ثم يصقل موهبته بالممارسة فقط, فكل شيءٍ ممكن, و كذلك الكتابة. تعلمت أن الفضفضة لها مفعول سحري مع أولئك الذين نستطيع أن نثق بهم. الكتمان يقود إلى الانهيار, لذا علينا أن نعالج أبسط الأمور بالكتابة قبل أن تتراكم.

تعلمت أن أبكي, و أن هناك من يتمنى البكاء و لا يستطيع بينما كنت أنا أقاوم البكاء خشية أن يجعلني ضعيفة. في هذا الفضاء الآمن, تعلمت أن البكاء نعمة تجدد الكثير فينا و تخرج ما راكمه فينا الزمن. فالأيام تمضي و الأفكار تتجدد و تتغير و كذلك الناس من حولنا, و لا يبقى معك سوى قلبك و ذكرياتك.

تعلمت أيضاً أن علم و عمل الفتاة لا يمكن أن يخذلانها, و هكذا أصبحت أكثر استقلالية و صارت طموحاتي أكبر. تعلمت أني لست ناقصة دون رجل و أن اتزاني و طيبتي و استقلالي يجعلونني امرأة جبارة. أحب هذا الوصف كثيراً! نعم, أنا امرأة جبارة! سأحقق كل ما أصبو إليه, فأحلامنا ليست مقيدة بوقت معين. أحلامنا معنا منذ الولادة, حتى إذا تزوجنا أو سافرنا أو تنقلنا, يجب أن تكون لنا هوية. كنت أظن في السابق أني إذا تزوجت, فيجب بالضرورة أن تتغير أحلامي و شخصيتي. الآن أفكر في الزواج كإضافة لا كمعوق للإنجاز. المرأة مثل الرجل و قيمتها بإنجازها.

تمارين صناعة الشخصيات التي استعملناها لصنع شخصيات “فلانية و علانية” أثارت فضولي و جعلتني أفكر في شخصيتي و حياتي بشكل أكبر و أعمق. تمرين “الحساسية” جعلني أفكر في ذاتي و هويتي, أما تمرين “الشخصية العميقة” فقد جعلني أعيد النظر في التفكير و تحليل شخصيات الآخرين و الانشغال بشخصيتي أنا و الوصول إلى أعماق ذاتي عوضاً عن الحكم على الآخرين. إذا استطعت فهم ذاتي, سأتمكن من إدارة الأمور من حولي بشكل أفضل.

عرفتُ أن القوة تأتي من داخل الإنسان, ما دون ذلك هو مسألة اجتهاد للوصول. كما تعلمتُ أن الاستماع للآخرين جميل, مهما كانوا مختلفين في العمر و الصفات و المستويات الدراسية و الثقافية, فكل إنسان له فكرٌ مبدع  و أفكار عظيمة و تجارب و حروب و معارك تنتظر أن نسمعها و نشعر بقيمتها. مجموعة الكتابة الإبداعية هذه كونت منا كتيبة من النساء, نساند بعضنا البعض. لا أستطيع أن أصف مدى تعلقي بزميلاتي و مدربتنا, ننتظر الساعة الرابعة عصر كل يوم بفارغ الصبر لنتكلم و نكتب. أشعر بشعور غامر كون هناك من منحني جزء من روحه و طاقته.

تعلمتُ أن الإنصات ليس سهلاً, فكل شخص يريد أن يكون مسموعاً دون أن يعرف أهمية أن يستمع هو للآخرين. تعلمت أن أبذل جهدي للإنصات خاصة في عمل جماعي لكتابة قصة أو مجموعة قصص مشتركة. تدفق الأفكار المشتركة يخلق إبداعاً مختلفاً عن ذلك ذي الصوت الواحد.

تعلمتُ أن أعترض على الفكرة دون الاعتراض على شخص صاحبها. كنا مجموعة تختلف كل واحدة منا فيها عن الأخرى كلياً, و هذه أول مرة أجتمع مع نساء ذوات شخصيات و تجارب مختلفة لهذا الحد. رغم أننا كنا تسع فقط, إلا أن كل واحدةٍ منا كان لها عالمها و قوانينها. أصبحت أضحك كثيراً حين نختلف. أعرف أن فكرةً عظيمة ستخرج حصيلة الجدال و الاختلاف.

فضاء آمن. لا حواجز و لا طبقات, كلنا سواء. نأتي كل يوم و نخلع كل رداء و هالة و حاجز قبل أن ندخل إلى الصف.

الكثير من حولي و الذين يعرفونني من قبل, يقولون لي مؤخراً أن ابتسامتي باتت جميلة, ابتسامتي التي فقدتها لفترة طويلة. هذه التجربة أعادت لي ابتسامتي, و أنا أحبها كثيراً, و سأحميها مهما حدث بعد اليوم. أحب ذاتي التي تحققت بوجودي معكن. أحب كل شيء فيّ, تقاسيم وجهي و شكلي. أنا راضية و أقبل نفسي كما أنا.

تعلمتُ الاسترخاء و أن الألم ليس درجات أو تفاوت. يجب أن يمر كل شيء بمراحله. حتى تلك القصة المكونة من ٥ حلقات, تحتاج للكثير من الجهد و المراحل. أعطيناها الكثير و أعطتنا الكثير بالمقابل. حين كانت تتعقد الحبكة و تصعب علينا كنا نتوقف لبرهة ثم نعاود من زاوية أخرى. هذه أصبحت استراتيجيتي للتعامل مع الحياة.

تعلمت الهدوء و التامل بلطف و القيادة المرنة, كما عدت للرسم!  تعلمت أن ألملم قطعي المتناثرة و الأشياء المتفرقة التي كنت أقوم بها في الماضي. تعلمت أن لا أوافق على كل ما يُعرض علي إلا بعد الإطلاع و التفكير الدقيق.

تعلمتُ أن أكون كالأمير الصغير.

شكراً.

- ٦ صور من الذاكرة-
خواطر تلت نزهة في الحي

كان اليوم يوماً جميلاً. طلبت منا مدربتنا الخروج لمدة ساعة للمشي و حفظ ٦ صور في مخيلتنا. خرجت أنا و فادية لنمشي دون أن نتحدث. كانت المرة التي أمشي فيها بذلك الاتجاه المعاكس. أردت أن أتوه حقاً, لا أعرف لماذا. أردت أن أمشي و أتأمل في وجوه العابرين و المباني السكنية و الأشجار و الحيوانات و كل ما يمكن ملاحظته أثناء سيري. و بينما كنت أتمشى و لا أفكر إلا بما أرى, شعرت بشعور مختلف.

كانت أول مرة يُطلب فيها مني أن أتمشى دون أن أفكر بشيء, بأي مسؤوليات أو وجهة محددة علي الوصول إليها. إنه أمرٌ سهل, ربما, لكن معانيه و تفاصيله كبيرة. شعرت بذلك و أنا أمشي و أتمعن بما حولي. جذب نظري طفلٌ جميل, يبدو أنه في الثامنة من عمره. كان شعره بني و ابتسامته عريضة و ينظر إلى الجانب الأيمن من الشارع. لا أدري ما كان ينظر إليه, حيث أنني كنت مشدودة لابتسامته و مشيته العفوية للخلف و بشكل عكسي. كان ساحراً. لم يكن يهمني شيء سوى أن أستمتع بالنظر لتلك العيون البراقة المشعة لعلي أستمد منها فرحاً أطرد به حزني. أظن أن على يمين الشارع حيث كان ينظر الطفل, كان هناك ما أثار ابتسامته بهذا الشكل. كم هو محظوظ ليتمكن من التبسم من القلب هكذا! أردت أن أكون مثله, و بالفعل تخللتني فرحة عارمة عندما رأيت وجهه يتلألأ. ما أجمل الطفولة و البراءة. أشعر أني أريد أن أتجرد من الشباب و أعود للطفولة. سأقوم بهذا يوماً ما.

لاحظت بعد ذلك بمسافة ليست بالبعيدة, امرأة داخل دكان صغير, مكتوب على لوحةٍ صغيرة بجوارها: “نظراً للظروف ممنوع الدَين”. كانت ترتدي النقاب و استطعت تقدير عمرها من عينيها. أظنها في الثلاثينات من عمرها و أظنها مكافحة عانت الكثير لكنها شجاعة استطاعت أن توجد لها مهنة. في أول وهلة كنت أود أن أرى ما بداخل الدكان, و حين رأيت أن صاحبته امرأة, صدمت صدمةً خفيفة, تلك التي يشعر بها المرء حين تُخالف توقعاته. شعرت بالسعادة بعدها و ابتسمت لها و واصلت المسير.

رأيت في الشارع الذي كنت أسير نحوه شاباً مراهقاً, ذكرني منظره بفتية مسلسلات الأنمي اليابانية, فقد كان يرتدي جاكيت يميل للأسود له قلنسوة يغطي بها شعره. على الجاكت حرف X باللون الأصفر, و من تحت الجاكيت كان يرتدي كنزة بيضاء و بنطال جينز و حذاء كاوتش يميل للكحلي الغامق. كان يضع سماعات أذن كبيرة و يمشي يمنة و يسرة إلى جانب السيارات العابرة. شعرت أنه متوتر بعض الشيء و أنه يريد أن ينفرد بنفسه و يخرج قليلاً من العالم و يعزل نفسه منه بسماعاته. كان يضع يديه في جيوبه بأناقة و يمشي كأنه وحده و الشارع له. شعرت أني مثله, أملك الشارع في تلك اللحظة.

بدأت أسلك طريق العودة و شاهدت مجموعة من الأصدقاء يتمازحون بقارورة من الماء المثلج, كان أحدهم يبعد القارورة و يبدو عليه الضيق. المشهد ذكرني بصديقاتي. تمنيت لو أني أستطيع أن أشاركههم المزاح. الصداقة شيءٌ ثمين, و أنا فقدت الكثير من الأصدقاء حين تركنا مدينتنا و نزحنا إلى هنا. أشعر بالحنين لصديقاتي هناك. أشعر أن لدي رصيدٌ كبير من حياةٍ سابقة. هذا الرصيد يجلب لي السعادة حين أحتاجها.

رأيت أنا و فادية محلاً يبيع دببة و ورود و أدوات زينة. لفتت نظري الدببة و القلوب الحمراء. شعرت بالحب و الجمال الذي يملأ زوايا المحل. كان العامل لطيفاً و متعاوناً في تسعيراته. أرادت فادية شراء وردة لمدربتنا. أحببت البيضاء أكثر, لكنها قررت شراء الحمراء و وافقها العامل الذي قال أن الأحمر سيد ألوان الورد خاصةً عند التغليف. أخذت أراقبه و هو يغلف الوردة رغبةً مني في التعلم, و تحسست وروداً أخرى ظننتها طبيعية حتى فاجئني ملمسها بأنها صناعية. وددت لو أن أحدهم يهديني وردة. يا ترى هل سيهديني خطيبي وردة طبيعية يوماً ما؟  أو ربما دباً بنياً كذلك الذي على الرف؟ استرجعت نفسي من هذه الأفكار و قررت أن أعود بنفسي للاستمتاع باللحظة.

أعطتني فادية الوردة لأحملها في الطريق.  حملتها بيدي اليسرى بشكل مائل. الورود تبدو دائماً أجمل حين تُحملُ مائلة. تخيلتُ أني أميرة, أحملُ وردةً أهداني إياها حبيبي.  كنت أمشي سعيدة و خجولة. كانت أول مرة أمشي و أنا أحمل وردة منذ تخرجي من الجامعة. يومها كنت أمشي و أنا أمسك بباقة من أزهار القرنفل الصفراء و البيضاء و الوردية, كنت سعيدة للغاية, و لكن كنتُ أنا من اشتريت الورود لنفسي. كانت تلك الباقة أول باقة أهديها لنفسي. هذه الوردة الحمراء ليست لي و ليست طبيعية. أنا أحب الطبيعة و كل ما فيها, خاصة الورود. في الأيام القادمة سأشتري لنفسي وردة.

أخذت أصر على فادية أي الطرق نسلك لنعود, حتى غزاني التوتر لأنني شعرت أننا نسلك الطريق الخطأ. سألنا عاملاً كان يقوم بمسح السيارات, فدلنا على الطريق. كانت فادية على حق. عدنا إلى دائرة الأمان. عدت سعيدة من جديد.